ابن أبي الحديد
202
شرح نهج البلاغة
أم رسول الله صلى الله عليه وآله التي أرضعته تحدث انها خرجت من بلدها ومعها زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بنى سعد بن بكر يلتمسن الرضاع ( 1 ) بمكة ، في سنة شهباء ( 2 ) لم تبق شيئا ، قالت فخرجت على أتان لنا قمراء ( 3 ) عجفاء ، ومعنا شارف ( 4 ) لنا ، ما تبض ( 5 ) بقطرة ، ولا ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا الذي معنا من الجوع ، ما في ثديي ما يغنيه ، ولا في شارفنا ما يغديه ، ( 6 ) ولكنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك ، ولقد أراثت بالركب ضعفا وعجفا ، ( 7 ) حتى شق ذلك عليهم ، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضاع ( 8 ) فما منا امرأة الا وقد عرض عليها محمد صلى الله عليه وآله فتأباه إذا قيل لها انه يتيم ، وذلك انا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبي ، فكنا نقول يتيم ، ما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك ، فما بقيت امرأة ذهبت معي الا اخذت رضيعا غيري ، فلما اجتمعنا للانطلاق قلت لصاحبي والله انى لأكره أن ارجع من بين صواحبي لم آخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه ، قال لا عليك أن تفعلي وعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة ، فذهبت إليه فأخذته ، وما يحملني على اخذه الا انى لم أجد غيره قالت فلما اخذته رجعت إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري اقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن ، فرضع حتى روى وشرب معه أخوه حتى روى ، وما كنا ننام قبل ذلك من بكاء صبينا جوعا ، فنام ، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا انها حافل ( 9 ) ، فحلب منها ما شرب وشربت انتهينا ريا وشبعا ، فبتنا بخير ليلة ، قالت يقول
--> ( 1 ) ابن هشام ( تلتمس الرضعاء ) . ( 2 ) سنة شهباء ، تريد بها سنة الجدب ، وذلك أن الأرض حينئذ تكون بيضاء لا نبات فيها . ( 3 ) القمرة بالضم : لون إلى الخضرة أو بياض فيه كدرة وحمار أقمر وأتان قمراء . القاموس . ( 4 ) الشارف : الناقة المسنة . ( 5 ) قال أبو ذر الخشني : ما تبض بالضاد المعجمة ، معناه : ما تنشغ ولا ترشح ، ومن رواه بالصاد المهملة ، فمعناه : ( لا يبرق عليها أثر لين ، من البصيص وهو اللمعان ) . ( 6 ) قال ابن هشام : ( ما يغذيه ) . ( 7 ) ابن هشام : ( فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا ) . ( 8 ) ابن هشام : ( الرضعاء ) . ( 9 ) حافل : اي ممتلئة الضرع .